ابن عجيبة
101
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن أول الناس ممّن يدخل الجنة عبد أسود ، وذلك أن اللّه تعالى بعث نبيا إلى قرية ، فلم يؤمن به إلا ذلك الأسود ، فحفر أهل القرية بئرا وألقوا فيها نبيهم ، وأطبقوا عليها بحجر ضخم ، فكان العبد يحتطب على ظهره ، ويبيعه ، ويأتيه بطعامه ، فيعينه اللّه تعالى على رفع تلك الصخرة حتى يدليه إليه . فبينما هو يحتطب ذات يوم إذ نام ، فضرب على أذنه سبع سنين ، ثم جاء بطعامه إلى البئر فلم يجده . وكان قومه قد بدا لهم فاستخرجوه وآمنوا به ، ومات ذلك النبي ، فقال - عليه الصلاة والسلام : « إنّ ذلك الأسود لأوّل من يدخل الجنّة » « 1 » ، يعنى : من قومه . ه . وهؤلاء آمنوا فلا يصح حمل الآية عليها ، إلا أن يكونوا أحدثوا شيئا بعد نبيهم ، فدمرهم اللّه . وقال جعفر بن محمد عن أبيه : أن أصحاب الرسّ : السحّاقات ، قال أنس : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ من أشراط السّاعة أن يستكفى الرجال بالرجال ، والنساء بالنساء » « 2 » ، وذلك السحاق ، ويقال له أيضا : المساحقة ، وهو حرام بالإجماع . وسبب ظهوره : أن قوما أحدثوا فاحشة اللواط ، حتى استغنوا عن النساء ، فبقيت النساء معطلة ، فجاءتهن شيطانة في صورة امرأة ، وهي الولهات بنت إبليس ، فشهّت إلى النساء ركوب بعضهن بعضا ، وعلمتهن كيف يصنعن ذلك ، فسلط عليهم صاعقة من أول الليل ، وخسفا من آخر الليل ، وصيحة مع الشمس ، فلم يبق منهم بقية . ه . وَقُرُوناً أي : دمرنا أهل قرون . والقرن : سبعون سنة ، وقيل : أقل ، وقيل : أكثر ، بَيْنَ ذلِكَ أي : بين ذلك المذكور من الأمم والطوائف ، كَثِيراً ، لا يعلم عددها إلا العليم الخبير ، وَكُلًّا من الأمم المذكورين قد ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ أي : بيّنا له القصص العجيبة ، الزاجرة عماهم عليه من الكفر والمعاصي ، بواسطة الرسل . وقيل : المراد : تبيين ما وقع لهم ، ووصف ما أدى إليه تكذيبهم لأنبيائهم ، من عذاب اللّه وتدميره إياهم ، ليكون عبرة لمن بعدهم ، وَكُلًّا أي : وكل واحد منهم تَبَّرْنا تَتْبِيراً أي : أهلكنا إهلاكا عجيبا . والتتبير : التفتيت . قال الزجاج : كل شئ كسرته وفتته فقد تبرته . ثم بيّن بعض آثار الأمم المتبّرة ، فقال : وَلَقَدْ أَتَوْا يعنى : أهل مكة عَلَى الْقَرْيَةِ ، وهي سدوم ، وهي أعظم قرى قوم لوط ، وكانت خمسا ، أهلك اللّه أربعا ، وبقيت واحدة ، كان أهلها لا يعملون الخبيث ، وأما البواقي فأهلكها بالحجارة ، وإليه أشار بقوله : الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أي : أمطر اللّه عليها الحجارة . والمعنى : واللّه لقد أتى قريش في متاجرهم إلى الشام على القرية التي أهلكها اللّه ، وبقي آثارها خاربة ، أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في التفسير ( 191 / 14 ) عن محمد بن كعب القرطبي ، وانظر تفسير ابن كثير ( 3 / 318 ) . ( 2 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ( 10 / 282 ح 10556 ) مطولا من حديث ابن مسعود رضى اللّه عنه وفيه : « يا ابن مسعود إن أعلام الساعة وأشراطها . . » الحديث . قال في مجمع الزوائد 7 / 323 . رواه الطبراني في الأوسط . وفيه : سيف بن مسكين ، وهو ضعيف .